لطالما روجت شركة Flock Safety لكاميرات المراقبة الخاصة بها، والمنتشرة في آلاف الأحياء الأميركية، على أنها مجرد أجهزة لقراءة لوحات السيارات ومطابقتها مع قوائم المطلوبين.
كشف تحقيق استقصائي أجرته مجلة WIRED في التاسع عشر من أغسطس 2026 عن واقع مختلف تماماً؛ حيث طورت الشركة نظام ذكاء اصطناعي متقدم يقلب المفاهيم التقليدية للمراقبة. تعمل هذه الأداة على تحديد هويات السائقين وتتبع مركباتهم بالاعتماد الكلي على أنماط الحركة، لتتجاوز الحاجة إلى أرقام اللوحات أو الأسماء أو وجود سجل إجرامي مسبق.
من قراءة اللوحة إلى توليد الشبهة
بدأت هذه الأداة تحت اسم Nightshift قبل أن تتغير تسميتها إلى OS Investigate، وهي تمثل تغييراً جذرياً في منهجية العمل الشرطي، منتقلة من تتبع المركبات المشبوهة والمعروفة مسبقاً، إلى توليد الشبهات آلياً من بين جموع السائقين العاديين. وفي حين تصرح Flock Safety بأن المنتج يخضع حالياً للتطوير والاختبار ضمن نطاق محدود مع وكالات إنفاذ القانون، أظهرت الشيفرات البرمجية التي استخرجتها WIRED من صفحات تسجيل الدخول الخاصة بالشركة قدرات تشغيلية تتخطى بكثير الإعلانات الرسمية.
اعتمدت النماذج السابقة للشركة على التقاط صور السيارات العابرة، وتحويل اللوحات إلى نصوص، ثم مقارنتها بقوائم الشرطة مع إهمال المركبات غير المطلوبة. غير أن المطالبات البرمجية المدمجة في أداة OS Investigate تعكس آلية عمل معاكسة. يستطيع الضابط إدخال معايير مكانية وزمانية وسلوكية معينة، ليحلل النظام البيانات ويستخرج هويات الأفراد المطابقين للنمط المدخل.
تحتوي الأداة على 69 مطالبة جاهزة قابلة للتعديل والمراجعة قبل إرسالها لخوارزميات الذكاء الاصطناعي. تبرز من بينها مطالبة مخصصة للبحث عن شهود عبر تحديد المركبات الأكثر تواجداً في حي معين خلال الأسبوعين الماضيين وضمن إطار زمني محدد. وتطلب مطالبة أخرى جلب بيانات كل من تعرض للاعتقال أكثر من مرتين خلال عامين بتهم مختلفة، باستثناء قضايا المخدرات، ليرسم النظام خريطة لأماكن سكنهم، ويستخرج سجلات النداءات الموجهة لمنازلهم، وينتهي بإعداد ملف عمل تفصيلي للأسماء الثلاثة الأبرز.
يُعرف ملف العمل في أنظمة الشركة بأنه فحص خلفية شامل يبدأ بالاسم وتاريخ الميلاد، ويستدعي بيانات المركبات والسوابق من السجلات الإدارية والتجارية، ثم يعرض في واجهة ثانية بيانات الأقارب وأرقام الهواتف والحسابات الرقمية.
45 أداة تحت تصرف الذكاء الاصطناعي
أظهرت الشيفرات المرجعية امتلاك الأداة 45 أداة تقنية تمنح الذكاء الاصطناعي صلاحيات واسعة للوصول إلى قراءات اللوحات، والبيانات الوصفية للكاميرات، وسجلات الاعتقال، وملفات القضايا، وتقارير الإرسال، ونتائج المقذوفات، إضافة إلى قواعد بيانات تجارية تتضمن أرقام الضمان الاجتماعي، وتواريخ الميلاد، ومعلومات الاتصال، والأقارب.
تستهدف 19 مطالبة البحث عن الأنماط السلوكية عوضاً عن السجلات المحددة، بينما تتيح 14 مطالبة بدء البحث استناداً إلى الموقع والنافذة الزمنية والسلوك فقط. تشمل الأمثلة المكتشفة تتبع المركبات التي توقفت عند ثلاثة متاجر تجزئة أو أكثر في مدينة واحدة خلال ثلاثة أيام، أو زارت بنوكاً متعددة خلال أسبوع، أو ترددت على محطات وقود بين منتصف الليل والخامسة فجراً
زُودت الأداة بمرشحات تقنية تستبعد الشاحنات التجارية وحافلات النقل وعربات العمل، لضمان استبعاد عمال التوصيل والتركيز حصراً على السائقين العاديين. وينسحب هذا التحليل على التنقلات بين المدن، مثل رصد المركبات التي غادرت مدينة وعادت إليها خلال أسبوع، أو أجرت رحلات متكررة خلال 14 يوماً، أو قطعت ثلاث مناطق جغرافية بالتتابع.
تناقض صارخ مع التصريحات العامة
تتعارض هذه القدرات مع التصريحات المتكررة لشركة Flock Safety بأن تقنياتها غير قادرة على التعرف على الأفراد أو تتبعهم. امتنعت الشركة عن الرد على أسئلة WIRED التفصيلية، وصرح المتحدث باسمها Paris Lewbel بأن الأداة منتج مستقل عن نظام قراءة اللوحات، وهدفها مساعدة المحققين في تنظيم المعلومات المتوفرة لديهم أصلاً.
يتعارض هذا التبرير مع البنية البرمجية التي تؤكد اعتماد الأداة على البنية التحتية ذاتها لشبكة الكاميرات وبيانات اللوحات، مع إضافة طبقة تحليلية متقدمة.
شبكة مراقبة بلا سابقة
تعمل هذه التقنيات ضمن شبكة مراقبة ضخمة تسجل عشرين مليار مسح شهرياً في أكثر من ستة آلاف مجتمع، وتخدم نحو 140 ألف مستخدم نشط.
واجهت الشركة، التي تبلغ قيمتها السوقية 7.5 مليار دولار، انتقادات سياسية حادة وحوادث تخريب لكاميراتها، فضلاً عن رصد حالات سوء استخدام من قبل بعض الضباط. أصدرت منظمة ACLU في يوليو 2025 تحذيراً صريحاً بشأن ميزات توليد الشبهة مثل Multi-State Insights وLinked Vehicles، مؤكدة أن النظام بات يقيم الأفراد لتحديد احتمالية تورطهم في جرائم منظمة عوضاً عن الاكتفاء بتسجيل تحركاتهم.
الضوابط المعلنة وثغراتها
حاولت Flock Safety احتواء الانتقادات بإعلانها في الثالث عشر من أغسطس 2026 عن إلزام الضباط بإدخال رموز القضايا في جميع عمليات البحث. أثبت تحليل شيفرة OS Investigate أن هذا الإجراء الشكلي يكتفي بقبول ثلاثة أحرف كحد أدنى، وهو الخلل ذاته الذي أتاح للضباط سابقاً إدخال عبارات عشوائية لتبرير عمليات البحث. تغيب الشفافية عن مقاييس الدقة ومعدلات الخطأ، وعن أسماء الوكالات المشاركة في الاختبار، وعن سياسات الاحتفاظ بالبيانات.
تتزامن هذه التطورات مع قرارات قضائية حاسمة، أبرزها حكم المحكمة العليا الأميركية الصادر في التاسع والعشرين من يونيو 2026 في قضية Chatrie v. United States، والذي اعتبر الحصول على بيانات الموقع تفتيشاً يتطلب مذكرة رسمية بموجب التعديل الرابع، استكمالاً لقرار Carpenter v. United States الصادر عام 2018. يتوقع الخبراء القانونيون انسحاب هذا المنطق على عمليات البحث الاسترجاعية في أنظمة قراءة اللوحات الآلية، وهو ما تدرسه حالياً محكمة الاستئناف في قضية Schmidt v. City of Norfolk.
تبرز مخاوف إضافية حيال التحيزات الخوارزمية، حيث تحذر ACLU من احتمالية استهداف الأحياء ذات الدخل المنخفض إذا دُربت الخوارزميات على سجلات جنائية تعاني تحيزات مسبقة. تغيب آليات التدقيق المستقلة لتقييم المنطق البرمجي وبيانات التدريب، خاصة وأن الشركة خاصة وغير خاضعة لقوانين السجلات المفتوحة.
توسع أبعد من الكاميرات الأرضية
تمتد خطط الشركة التوسعية لتشمل المراقبة الجوية، حيث استعرض الرئيس التنفيذي Garrett Langley في مؤتمر الرؤساء الدولي للشرطة في نوفمبر 2025 حزمة “الذكاء المضخم”. شمل العرض المساعد التحادثي NightShift وطائرة Flock Alpha المسيرة، التي تستطيع قراءة اللوحات من ارتفاع ألفي قدم باستخدام تقريب بصري يبلغ 40 ضعفاً، مع قدرة طيران تصل إلى نصف ساعة.
تجسد مدينة نيوبورت بولاية كنتاكي هذا التوتر بين الكفاءة والمخاوف المجتمعية. ورغم إشادة المسؤولين، وفي مقدمتهم قائد الشرطة Christopher Fangman ومدير المدينة John Hayden، بسرعة الحصول على المعلومات الجنائية من خلال 34 كاميرا تعمل منذ فبراير 2026، أبدى السكان قلقهم العميق إزاء تخزين بياناتهم لدى شركة ربحية وإمكانية استغلالها في تتبع قضايا الهجرة أو الرعاية الصحية.







