هل تستطيع مؤسستك إثبات ما حدث؟ “جاهزية التحقيق الجنائي الرقمي” كمؤشر أداء للإدارة التنفيذية 

لماذا يجب أن تقيس المؤسسات قدرتها على جمع الأدلة الرقمية وحفظها وتحليلها، لا مجرد سرعة اكتشاف الحوادث واحتوائها؟

هل تستطيع مؤسستك إثبات ما حدث؟ “جاهزية التحقيق الجنائي الرقمي” كمؤشر أداء للإدارة التنفيذية 
هل تستطيع مؤسستك إثبات ما حدث؟ “جاهزية التحقيق الجنائي الرقمي” كمؤشر أداء للإدارة التنفيذية

هنالك مجموعة من المؤشرات المألوفة التي يجري عادة قياس كفاءة الأمن السيبراني على أساسها، مثل متوسط زمن اكتشاف الحوادث، ومتوسط زمن احتوائها، والمدة اللازمة للتعافي، ومستوى الامتثال للضوابط، ومعدلات معالجة الثغرات، إلى جانب عدد الحوادث الجسيمة التي يتم إبلاغ الإدارة بها. 

لا شك في أهمية هذه المؤشرات. لكنها لا تكفي للإجابة على سؤال جوهري: 

إذا تعرضت المؤسسة اليوم لحادث سيبراني خطير، فهل هي قادرة على تحديد ما حدث وإثباته بصورة موثوقة؟ 

يقع هذا الأمر في صميم مفهوم الجاهزية للتحقيق الجنائي الرقمي، والتي تعني ـ ببسيط العبارة ـ قدرة المؤسسة على تحديد الأدلة الرقمية الموثوقة وجمعها وحفظها وتحليلها وتقديمها، عندما تقتضي الحاجة ذلك في أعقاب حادث أمني، أو تحقيق داخلي، أو استفسار تنظيمي، أو حتى نزاع قانوني. 

تقليدياً، اُعتبرت هذه الجاهزية مسألة تخصصية تبدأ بعد تصعيد الحادث إلى فريق التحقيق. لكن الواقع أن كثيراً من الظروف الحاسمة تكون قد تحددت بالفعل قبل وصول المحققين إلى المشهد. 

فالسجلات إما أن تكون قد أُنشئت وإما أُغفل إنشاؤها. والأدلة إما أن تكون قد احتُفظ بها وإما جرى استبدالها أو الكتابة فوقها. وساعات الأنظمة إما أن تكون متزامنة وإما متروكة لتنحرف عن التوقيت الدقيق. وبيانات البيئة السحابية إما أن تظل متاحة وإما تختفي بانتهاء أحمال العمل المؤقتة. كما أن الإجراءات الإدارية إما أن تكون مسجلة وإما تُنفذ من دون مسار تدقيق كافٍ. 

أي فعلياً، قد يبدأ التحقيق بعد وقوع الحادث، لكن الجاهزية له تبدأ قبل ذلك بوقت طويل. 

الاحتواء لا يعني بالضرورة الوصول إلى اليقين 

لنتأمل سيناريو شائعاً: يرصد فريق العمليات الأمنية عمليات نقل غير معتادة للبيانات من بيئة حيوية. فيجري على الفور تقييد صلاحيات الوصول، وعزل الأنظمة المتأثرة، وغلق قناة التسريب الظاهرة خلال ساعات. من الناحية التشغيلية، تبدو الاستجابة ناجحة. 

غير أن التحقيق اللاحق يكشف صورة مختلفة تماماً. 

تكون السجلات موزعة بين البنية التحتية المحلية، والمنصات السحابية، وأنظمة إدارة الهوية، وتطبيقات الأعمال، وخدمات الجهات الخارجية. ولا يحتفظ بعضها سوى بسجل يمتد لأسابيع قليلة، فيما يستخدم بعضها الآخر تنسيقات غير متوافقة. كما تختلف الطوابع الزمنية بين نظام وآخر، ويعجز أحد الموردين عن توفير سجلات التدقيق المطلوبة ضمن المدة المحددة للتحقيق. 

وفوق ذلك، قد تكون بعض السجلات قابلة للتعديل من جانب المسؤولين ذوي الصلاحيات المرتفعة، في حين لم تُوثق رسمياً آلية التعامل مع الأدلة التي جرى تصديرها. 

تستطيع المؤسسة، في هذه الحالة، تأكيد وقوع نشاط مشبوه، لكنها لا تستطيع الإجابة بدرجة كافية من الثقة عن أسئلة أساسية، من بينها: 

  • متى بدأ الاختراق؟ 
  • ما الهويات والأنظمة التي كانت ضالعة فيه؟ 
  • ما المعلومات التي جرى الوصول إليها أو إخراجها؟ 
  • هل احتفظ المهاجم بإمكانية الوصول بعد احتواء الحادث؟ 
  • هل تستطيع نتائج التحقيق الصمود أمام التدقيق التنظيمي أو التعاقدي أو القانوني؟ 

المشكلة هنا هي الإخفاق في الحفاظ على قدرة المؤسسة على معرفة الحقيقة. فقد ينبه التحذير الأمني إلى أن أمراً ما قد حدث، لكن الأدلة الموثوقة وحدها هي القادرة على إثبات ما حدث فعلاً. 

الجاهزية للتحقيق الجنائي قضية تنفيذية 

تزداد أهمية الإشراف التنفيذي على هذه المسألة في منطقة الخليج، حيث تتوسع المؤسسات بوتيرة متسارعة في الخدمات الرقمية، والحوسبة السحابية، والمنصات المترابطة، والعمليات المعززة بالذكاء الاصطناعي. 

فكل إضافة جديدة قد تعزز قدرات الأعمال، لكنها تغير في الوقت نفسه مواضع إنشاء الأدلة، والجهة التي تتحكم فيها، والمدة التي تظل خلالها متاحة. 

بطبيعة الحال، لا يعني ذلك أن على اللجان التنفيذية والجهات الناظمة الإشراف على الأساليب التقنية لجمع الأدلة أو اختيار أدوات التحقيق الجنائي. إنما يعني أن عليها الحصول على تأكيد معقول بأن المؤسسة قادرة على تقديم إجابات موثوقة عندما تكون لهذه الإجابات تبعات تنظيمية أو مالية أو تشغيلية أو متصلة بالسمعة. 

هناك أربعة أسباب رئيسة تجعل هذه المسألة تتجاوز المستوى التشغيلي. 

  • أولاً، إتاحة الأدلة قرار يرتبط بالبنية التقنية والاستثمار. فسعة الاحتفاظ، والتخزين غير القابل للتغيير، وجمع بيانات الأجهزة الطرفية، والقياس عن بُعد للبيئات السحابية، والمهارات المتخصصة، وترتيبات دعم التحقيق الجنائي؛ جميعها تتطلب تمويلاً وترتيباً واضحاً للأولويات. 
  • ثانياً، تعتمد القدرة الجنائية الرقمية على وظائف مؤسسية متعددة. فلا يستطيع فريق الأمن السيبراني وحده تحديد متطلبات الحفظ القانوني، أو قيود الخصوصية، أو إجراءات التحقيق مع الموظفين، أو التزامات الموردين، أو المعايير الإثباتية. إذ تؤدي الشؤون القانونية والامتثال وحوكمة البيانات والموارد البشرية والمشتريات والتدقيق الداخلي وفرق التقنية أدواراً مترابطة في هذا المجال. 
  • ثالثاً، ترتبط القرارات التنفيذية أثناء الأزمات بجودة الأدلة المتاحة. فلا يمكن اتخاذ قرارات مسؤولة بشأن إخطار الجهات التنظيمية، أو تعليق الخدمات، أو التواصل مع العملاء، أو إشراك جهات إنفاذ القانون، أو إصدار إفصاح علني، اعتماداً على التحذيرات والافتراضات وحدها. 
  • رابعاً، يدرك المهاجمون بصورة متزايدة قيمة تدمير السجل الذي يوثق نشاطهم؛ أي إن حماية السجلات جزء من المواجهة الدفاعية ذاتها. 

ماذا توفر الجاهزية العالية للتحقيق الجنائي؟ 

تتجاوز قيمة الجاهزية بكثير القدرة التقنية على جمع البيانات بعد وقوع الحادث. فالمؤسسة المهيأة جيداً تكون أكثر قدرة على إعادة بناء تسلسل الأحداث بدقة، لبناء خط زمني متماسك بدلاً من الاعتماد على مؤشرات متفرقة ومعزولة. كما يمكنها تسريع التحقيق وتقليل الوقت اللازم للوصول إلى نتيجة قابلة للدفاع عنها. 

أيضاً، تتيح الجاهزية المرتفعة للمؤسسة دعم الإجراءات القانونية والتنظيمية وعمليات إنفاذ القانون بأدلة موثوقة، وتحمي سلامة الأدلة وسلسلة حيازتها. ولا يقل عن ذلك أهمية أن يوفر التحقيق المكتمل أساساً لاستخلاص الدروس وتحسين الضوابط الأمنية؛ فمن دون إعادة بناء موثوقة لما جرى، قد تقتصر المعالجة على العرض الظاهر للمشكلة، فيما تظل نقطة الضعف الأصلية من دون علاج. 

وأخيراً، يمكن للجاهزية أن تقلل الخسائر المالية والتشغيلية المرتبطة بالحادث. فالوصول السريع إلى اليقين يسمح للمؤسسة بقصر العزل والتعليق والتعافي على الأنظمة المتأثرة فعلياً، ويحد من الاضطراب الممتد الناتج عن الغموض، ويجنبها إعادة بناء بيئات لم تتضرر، كما قد يخفض تكاليف التحقيقات الخارجية والمراجعة القانونية والاستجابة التنظيمية. 

ما الذي ينبغي للإدارة قياسه؟ 

لا ينبغي اختزال الجاهزية للتحقيق الجنائي الرقمي في درجة موحدة أو مؤشر واحد. وبدلاً من ذلك، ينبغي أن تقدم التقارير الإدارية رؤية موزونة بحسب المخاطر لمجموعة من القدرات الأساسية. 

  • تغطية مصادر الأدلة: نسبة الأنظمة الحيوية والخدمات السحابية والهويات والأجهزة الطرفية والتطبيقات ومنصات البيانات التي تنتج السجلات المطلوبة لسيناريوهات التحقيق المحددة مسبقاً. 
  • كفاية مدد الاحتفاظ: مدى بقاء الأدلة متاحة لفترات تتوافق مع الالتزامات التنظيمية، وخصائص التهديدات، والمدد الواقعية التي قد يظل خلالها المهاجم داخل البيئة. 
  • موثوقية التسلسل الزمني: جودة مزامنة الوقت بين الأنظمة المختلفة. 
  • سلامة الأدلة: مدى حماية السجلات والآثار الرقمية المجمعة من التعديل أو الحذف، من خلال ضوابط الوصول المناسبة. 
  • سرعة تفعيل التحقيق: المدة الفاصلة بين تصعيد الحادث وبدء حفظ الأدلة وجمعها. ويجب التمييز بين هذا المؤشر وزمن الاحتواء، إذ قد تنجح المؤسسة في عزل النظام بسرعة، لكنها تسمح في الوقت نفسه باختفاء أدلة مؤقتة وحساسة. 
  • الزمن اللازم للوصول إلى ثقة إثباتية: المدة التي يحتاج إليها المحققون لتكوين صورة مدعومة بما يكفي من الأدلة حول الحادث. 
  • الأداء في التمارين والمحاكاة: نتائج التمارين التي تتطلب من الفرق تحديد الأدلة والوصول إليها وحفظها وربطها وتحليلها فعلياً. 
  • جاهزية أدلة الأطراف الثالثة: مدى قدرة مزودي الخدمات السحابية، ومزودي الخدمات المدارة، وغيرهم من الموردين، على توفير السجلات المطلوبة ضمن مدد محددة وبتنسيقات قابلة للاستخدام. 
  • الأثر التشغيلي المتفادى: الانخفاض، حيثما أمكن قياسه بصورة موثوقة، في عمليات العزل غير الضرورية للخدمات، وتأخر التحقيقات، وجهود التعافي، وتكاليف الاستجابة الخارجية، نتيجة الوصول السريع إلى تأكيد دقيق لنطاق الحادث. 

على كل حال، تختلف المؤشرات الدقيقة باختلاف القطاع، ومستوى التعرض التنظيمي، ودرجة تعقيد المؤسسة. غير أن المبدأ يظل قابلاً للتطبيق على نطاق واسع: يجب أن تكون الجاهزية للتحقيق الجنائي قابلة للرصد والاختبار والقياس، إذا كان مطلوباً من الإدارة الاعتماد عليها. 

المسؤولية مشتركة 

قد يتولى الرئيس التنفيذي لأمن المعلومات تنسيق برنامج الجاهزية، لكن المسؤولية لا يمكن أن تقع على عاتق وظيفة الأمن وحدها. 

فعلى قيادات التقنية ضمان إدراج متطلبات الأدلة في تصميم الأنظمة والبنى السحابية. وعلى فرق الشؤون القانونية والخصوصية تحديد الممارسات المقبولة لجمع الأدلة وحفظها والوصول إليها. كما ينبغي للمشتريات تضمين عقود الموردين التزامات واضحة بشأن الوصول إلى سجلات التدقيق، ومدد الاحتفاظ، ودعم التحقيقات في الحوادث. ناهيك أيضاً عن مسؤوليات وأدوار على عاتق أصحاب الأعمال، واللجان التنفيذية. 

تتزايد أهمية ذلك مع توسع المؤسسات في نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي والوكلاء المستقلين. فقد تتطلب التحقيقات المستقبلية سجلات للمطالبات الموجهة إلى النماذج، ومخرجاتها، والبيانات التي جرى استرجاعها، واستدعاءات الأدوات، وإجراءات الوكلاء، والتغييرات في الإعدادات، والموافقات البشرية. 

إذاً، من دون تصميم متعمد لمنظومة الأدلة، قد تعرف المؤسسة أن عملية مدعومة بالذكاء الاصطناعي أدت إلى نتيجة سلبية، لكنها تظل عاجزة عن إعادة بناء الأسباب التي قادت إليها. 

خلاصة 

يظل الاكتشاف والاحتواء عنصرين لا غنى عنهما، لكنهما أبعد من أن يكونا المقياس النهائي لنضج وظيفة الأمن السيبراني. 

فالمؤسسة لا تكون مستعدة بالكامل للحوادث إذا استطاعت وقف النشاط الخبيث، لكنها عجزت عن تحديد منشئه، وتسلسله، ونطاقه، وتبعاته. كما لا تكون مستعدة إذا لم تستطع دعم استنتاجاتها أمام الجهات التنظيمية والعملاء وشركات التأمين والمحاكم، أو حتى أمام مجلس إدارتها. 

لهذا، تستحق الجاهزية للتحقيق الجنائي الرقمي مكاناً ضمن تقارير الأداء المقدمة إلى الإدارة التنفيذية، على اعتبار أنها مقياس منطقي لجودة الحوكمة، وكفاءة اتخاذ القرار أثناء الأزمات، والمرونة التشغيلية، والمساءلة المؤسسية. 

عند وقوع حادث سيبراني، أو حتى بمجرد افتراض وقوعه، على كل القيادات أن تسأل نفسها اليوم: إذا كان المطلوب تفسير ما حدث وإثباته، فهل نمتلك منظومة أدلة قادرة تمتاز بالصلاحية والموثوقية؟ 

الموثوقة والمعتمدة لدى خبراء الأمن السيبراني

تقرأ في نشرتنا التي تصلك كل أسبوع:

  • أحدث أخبار ومستجدات الأمن السيبراني محليًا وعالميًا.
  • تحليلات وتقارير دقيقة يقدمها خبراء المجال.
  • نصائح عملية لتطوير استراتيجياتك السيبرانية.
  • مراجعات شاملة لأهم الأحداث والتطورات التقنية
اذهب إلى الأعلى