علنت كوريا الجنوبية رسمياً عن خطط طموحة لتطوير نموذج ذكاء اصطناعي سيادي متخصص في الأمن السيبراني، مستهدفة إنجازه وإطلاقه قبل نهاية العام الجاري. وجاء الإعلان على لسان نائب رئيس الوزراء ووزير العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، باي كيونغ-هون، خلال جلسة إحاطة سياسية ترأسها الرئيس لي جاي-ميونغ في البيت الأزرق، وذلك في أعقاب فرض الولايات المتحدة قيوداً مفاجئة على تصدير نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً. وقد سلطت هذه الأزمة الضوء على مخاطر الاعتماد الكامل على التقنيات الأجنبية في حماية البنى التحتية الرقمية الحيوية للدولة.
وتعكس هذه الخطوة توجهاً عالمياً متسارعاً نحو ترسيخ “السيادة في الذكاء الاصطناعي”؛ إذ تسعى حكومات عدة، من بينها اليابان وبريطانيا وكندا وأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إلى الاستثمار المكثف في نماذج محلية وبنى تحتية حاسوبية خاصة بها، بهدف تقليص التبعية للمزودين الخارجيين، لا سيما في القطاعات الحساسة مثل الدفاع، والطاقة، والاتصالات.
وكانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد فرضت، في الثاني عشر من يونيو 2026، قيوداً صارمة على تصدير نموذجي “Mythos 5″ و”Fable 5” اللذين طورتهما شركة Anthropic الأميركية. وألزم القرار الأميركي الشركة بالحصول على تراخيص مسبقة قبل إتاحة هذين النموذجين لأي جهة خارج الولايات المتحدة أو لأي شخص أجنبي داخلها. ونتيجة لذلك، قطعت الشركة وصول المستخدمين الأجانب إلى النموذجين بالكامل.
ومع أن وزارة التجارة الأميركية رفعت هذه القيود لاحقاً في الثلاثين من يونيو 2026 بعد مفاوضات مكثفة وإقرار ضمانات أمنية جديدة، فإن التداعيات تركت أثراً عميقاً في عواصم عالمية عدة، حيث بات ينظر إلى التبعية التقنية للنماذج المتطورة باعتبارها مهدداً مباشراً للأمن القومي قد يخضع لتقلبات سياسية مفاجئة.
وفي هذا الصدد، أوضح الوزير باي كيونغ-هون ملامح الاستراتيجية الكورية قائلاً: “نعمل على إنشاء نموذج ذكاء اصطناعي متخصص في الأمن السيبراني خلال هذا العام، وذلك عبر تدريب نماذجنا السيادية الحالية إضافياً على بيانات متخصصة في الأمن الرقمي”. وحذر الوزير من التهديدات المتزايدة مبيناً أن تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت تُستغل بسهولة لتحديد الثغرات الأمنية واختراق الأنظمة.
ورغم تسوية ملف القيود الأميركية مؤخراً، إلا أن تلك الحادثة، التي تزامنت مع الصعود القوي للنماذج الصينية مفتوحة المصدر المنافسة، سرعت خطى سيول نحو تحقيق استقلاليتها الرقمية. ومع ذلك، يرى خبراء ومحللون أن تطلعات كوريا الجنوبية لبناء نموذج فائق القدرة ينافس الأنظمة العالمية الرائدة ما زالت تصطدم بتحديات تشغيلية كبيرة، أبرزها الفجوة القائمة في البرمجيات، ومحدودية القدرات الحاسوبية، والاحتياج الهائل لموارد المعالجة والتدريب الواسع النطاق.
ولم تشر وزارة العلوم والتكنولوجيا إلى التفاصيل التقنية الدقيقة المتعلقة بالميزانية المرصودة، أو طبيعة البيانات الأمنية الحساسة التي ستُستخدم في عمليات التدريب. واقتصر الإعلان على تأكيد الالتزام بالجدول الزمني المضغوط لتسليم المشروع بنهاية عام 2026، في وقت تزداد فيه شراسة الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي غدت قادرة على فحص الشبكات واستكشاف ثغراتها بسرعات فائقة، مما يضع الدول أمام حتمية تطوير أدوات حماية سيادية تواكب هذا التطور المتسارع.







