كشف تحليل أجرته شركة Flare المتخصصة في أمن المعلومات عن استهداف 14 عصابة فدية لسلسلة توريد الرعاية الصحية بأكملها في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، في مؤشر على توسع نطاق الهجمات الإلكترونية لتشمل المنظومة الطبية الموسعة بدلاً من الاقتصار على المستشفيات وحدها. ورصد التقرير، الذي غطى الفترة بين عامَي 2024 و2026، نشاطاً متصاعداً لمجموعات قرصنة منظمة على مواقع تسريب البيانات، طال مقدمي الخدمات عن بعد والمختبرات والصيدليات وموردي البرمجيات والتجهيزات الطبية ووكالات التوظيف وهيئات الصحة العامة، إلى جانب المؤسسات الاستشفائية التقليدية.
وأوضح الباحث آساف موراغ من Flare أن بعض هذه الجهات تستهدف مباشرةً لما يحدثه تعطيلها من خطر على سلامة المرضى، في حين تستخدم جهات أخرى كنقطة عبور للوصول إلى أهداف أكبر وأكثر تحصيناً داخل السلسلة، مثل المستشفيات التي تعتمد على تلك الجهات في السجلات والأجهزة والأنظمة المتصلة. ويلقي هذا النمط الضوء على ثغرات أمنية متوارثة في قطاع لا يزال يعتمد على تقنيات متقادمة وبيئات تقنية مجزأة، ما يصعب عمليات التحديث والمراقبة والتعافي.
ومن بين أبرز ما رصد بروز عصابة Kazu حديثة العهد، التي انطلقت في منتصف عام 2025 مستهدفةً جهات حكومية في البداية، قبل أن تتحول أنظارها إلى القطاع الصحي. ورصد باحثو Flare أول هجوم لها على مزود خدمات رعاية عن بعد في إيطاليا، ثم تبع ذلك سلسلة من الضحايا في أميركا اللاتينية خارج نطاق مجموعة البيانات الأصلية. وعند فحص 848 سجلاً من مواقع الفدية ومنتديات القراصنة ومنصات التراسل، تبين أن الجهات الحكومية لا تزال أكبر فئة مستهدفة من Kazu، لكن قطاع الرعاية الصحية جاء في المرتبة الثانية مباشرةً. وعلّق موراغ بالقول: “لا يثبت هذا بشكل قاطع وجود استراتيجية استهداف مقصودة، لكنه يشير بقوة إلى اهتمام متزايد بمؤسسات الرعاية الصحية والبيانات المرتبطة بها”.
ولا تكمن الكلفة الحقيقية لهذه الهجمات في مبلغ الفدية المدفوع، لكن في التعطيل التشغيلي الذي يليها، وفقاً لتقديرات أوردها التقرير. وفي حادثة وقعت في فبراير 2024، نجحت عصابة ALPHV/BlackCat في اختراق منصة Change Healthcare الأميركية لمعالجة المطالبات الطبية، وسرقت أكثر من 6 تيرابايت من البيانات الصحية والمالية، مما عطل نحو 40% من معالجة المطالبات في الولايات المتحدة وأحدث أضراراً كلية بلغت نحو 2.87 مليار دولار، لم تكن منها سوى 22 مليون دولار قيمة الفدية. أما في أوروبا، فتشير بيانات تحالف الصحة والأخلاق والمجتمع إلى تسجيل 289 حادثة أمن سيبراني في قطاع الرعاية الصحية الأوروبي خلال عام 2024، بمتوسط تكلفة للحادث الكبير يبلغ حوالي 300 ألف يورو، وتأثير سنوي تراكمي يقدر بالمليارات.
وتعزى هشاشة القطاع، بحسب دراسات سابقة، إلى اعتماد مؤسسات صحية أوروبية كثيرة على تقنيات قديمة وبيئات تقنية معلومات مجزأة تعقد إدارة التحديثات الأمنية وعمليات التعافي. ويضاف إلى ذلك تأخر تطبيق لوائح الأمن السيبراني ونقص الكوادر المؤهلة والتوسع السريع في التقنيات الطبية المتصلة، مما يبقي المؤسسات عرضة للخطر هيكلياً. وكان مسح أجرته PwC شمل 381 مسؤولاً تنفيذياً في القطاع الصحي العالمي قد أشار في مارس الماضي إلى أن ضغوطاً مالية تدفع بعض المؤسسات إلى قبول مخاطر سيبرانية أكبر مقابل خفض الإنفاق الآني، وهو ما يزيد من اتساع الفجوة بين التهديدات والضوابط.
ويرى مراقبون أن استهداف سلسلة التوريد بأكملها يضاعف من أثر الهجمات ويصعب احتواءها، إذ يمكن لاختراق جهة طرفية صغيرة أن يتحول إلى بوابة نحو أنظمة أكثر حساسية. وتزداد خطورة المشهد مع بروز عصابات جديدة مثل Kazu، التي تظهر قدرة على إعادة توجيه أنشطتها بسرعة، مما يستدعي من المؤسسات الصحية إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية لتشمل الموردين والشركاء، لا الاكتفاء بتحصين الأصول الداخلية فحسب.







