كشف تقرير عن فريق بحثي في جامعة نانيانغ التكنولوجية بسنغافورة، عن اكتشاف 84 ثغرة أمنية غير مسبوقة في برمجيات نوى شبكات الاتصالات من الجيلين الرابع (4G) والخامس (5G). وقد تم هذا الاكتشاف باستخدام أداة ذكاء اصطناعي متعددة الوكلاء. وأكد مطورو البرمجيات وجود 83 ثغرة من إجمالي الثغرات المكتشفة، وحصلت 81 منها على أرقام تعريف رسمية، ولا تزال 23 ثغرة منها مكشوفة حتى الآن بانتظار الإصدارات التصحيحية. وتتمثل الثغرة الأشد خطورة في إمكانية اختطاف جلسة بيانات المشترك، ما يتيح للجهة المهاجمة تحويل حركة المرور بالكامل لصالحها.
أرجع الباحثون السبب الجذري لهذه الثغرات إلى ما أطلقوا عليه مصطلح “أخطاء الثقة الضمنية” (iTrue). يمثل هذا المصطلح نمطاً متكرراً ينبع من افتراضات تصميمية قديمة تعود إلى الفترة التي كانت فيها مكونات نواة الشبكة معزولة مادياً ومحمية بالكامل.
نتيجة لهذه الافتراضات، ترسل التعليمات الخاصة بوظائف النواة، مثل تحديد مسار بيانات المشتركين، عبر وصلات داخلية تفتقر إلى آليات التحقق الكافية من صحتها أو تفردها. وتتفاقم خطورة هذا السيناريو مع توجه المشغلين نحو نقل نوى الشبكات إلى بيئات سحابية قد تؤدي إلى كشف واجهات الاتصال الداخلية للإنترنت عن طريق الخطأ.
وفي حال وصول المهاجم إلى إحدى هذه الوصلات، يمكنه حقن رسالة تحمل معرف قاعدة إعادة توجيه مكرراً يمتلك أولوية تنفيذ أعلى، لتستجيب الشبكة وتسلم حركة مرور الضحية للمهاجم. وقد تم تطبيق هذا الاستغلال مختبرياً بنجاح ضد نواة OpenAirInterface مفتوحة المصدر، وأُعيد إنتاجه في بيئة مختبرية لنواة أحد الموردين التجاريين وفق الإعدادات الافتراضية، ليتم توثيق الثغرة لاحقاً بالمعرف (CVE-2026-8233).
اعتمدت عملية البحث على أداة تحمل اسم iFinder، والتي تعمل من خلال تسلسل هرمي يضم ثلاثة وكلاء للذكاء الاصطناعي. يتولى الوكيل الأول قراءة الشيفرة المصدرية للبحث عن النقاط التي تُستخدم فيها بيانات الرسائل الواردة دون تدقيق. وينتقل الدور للوكيل الثاني لمراجعة وثائق معايير 3GPP بهدف التأكد مما إذا كان التدقيق المفقود قد نُفذ في مرحلة سابقة من المحادثة، وهو العامل الأبرز في استبعاد الاشتباه. وأخيراً، يكتب الوكيل الثالث إثبات استغلال عملي (PoC) ويختبره على شبكة تجريبية، مع القدرة على إعادة كتابته بناء على تحليل سجلات الأخطاء حتى ينجح الاستغلال أو يتوقف.
أظهرت الأداة مستويات دقة متباينة؛ إذ تمكنت من رصد 15 ثغرة فقط من أصل 22 ثغرة معروفة مسبقاً، وكانت ربع نتائجها الإجمالية غير صحيحة تقريباً. وأوضح زيوي لين، الباحث المشارك في الدراسة، أن المراجعة اليدوية للبلاغات وتزويد المطورين بإثبات عملي كانا عاملين حاسمين في أخذ هذه التقارير على محمل الجد.
وشهدت استجابة المشرفين على المشاريع البرمجية مفتوحة المصدر تفاوتاً ملحوظاً. فقد جرى إصلاح 58 ثغرة فقط من أصل 83 ثغرة مؤكدة، مع امتناع ثلاثة مشاريع عن إصدار أي تحديثات حتى الآن، ما أبقى 23 ثغرة مؤكدة ومسجلة بمعرفات CVE مفتقرة لأي تعديل برمجي. وبين “لين” أن مشروع OpenAirInterface تجاهل البلاغات بالكامل، في حين أقر مشروع eUPF بوجودها رابطاً خطوات الإصلاح بتوفر موارد التطوير الكافية. في المقابل، أبدت مشاريع Open5GS وSD-Core وfree5GC تفاعلاً نشطاً وعالجت الثغرات المبلغ عنها.
على صعيد النوى التجارية، واجه الباحثون عقبة تمثلت في غياب الشيفرة المصدرية، ما منع الأداة من تحليلها مباشرة. ولتجاوز ذلك، أعاد الفريق تشغيل الاستغلالات المُطورة للنسخ مفتوحة المصدر لتجربتها على الأنظمة التجارية. وأسفرت هذه المنهجية عن نجاح ثلاثة استغلالات ضد نواتين تجاريتين، شملت اختطاف الجلسة في كلتيهما، وتنفيذ هجومين لحجب الخدمة (DoS) على إحداهما. ويدل هذا النجاح على احتمالية توريث هذه الثغرات من الأصول مفتوحة المصدر المدمجة في المنتجات التجارية.
وبدوره أشار “لين” إلى أن النوى التجارية للجيل الخامس غالباً ما تدمج مكدسات مفتوحة المصدر أو تخصصها، موضحاً أن كلا مشروعي OpenAirInterface وfree5GC يمتلكان اشتقاقات تجارية، تسهل انتقال فجوات التحقق إلى المنتجات التي تتبنى نفس الافتراضات التصميمية. وشدد على أن الحالات الثلاث المؤكدة تظل عينة صغيرة داعمة وليست استنتاجاً نهائياً نظراً لعدم إجراء تدقيق مباشر.
إلى جانب ذلك، أثبت الباحثون نجاح مسار هجومي ثانٍ يستخدم هاتفاً اعتيادياً مزوداً بشريحة SIM صالحة. ويعتمد هذا المسار على إخفاء رسائل التحكم الشبكية داخل نفق بيانات الهاتف الصادر. وقد أثبت هذا التكتيك فعاليته باختراق خمس نوى من أصل سبع مشاريع مفتوحة المصدر خضعت للاختبار. وتؤكد هذه المعطيات مجتمعة أن الثغرات المرصودة تتجاوز كونها أخطاء برمجية فردية، لتمثل خللاً هيكلياً في فئة أوسع من اختلالات الثقة الضمنية ضمن التصاميم الحديثة لنوى الاتصالات، ما يتطلب تدخلاً فورياً من المصنعين والمشغلين، خاصة مع تسارع وتيرة نشر شبكات الجيل الخامس والاعتماد المتنامي على البنية التحتية السحابية.







