أعادت وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) رسمياً إحياء اسم وحدتها الهجومية الشهيرة “عمليات الوصول المخصصة” (TAO)، في خطوة تزامنت مع تقارير متزايدة حول توظيف الوكالة لنماذج ذكاء اصطناعي متطورة في اختراق الشبكات. ويفتح هذا التحرك باب النقاش حول ما إذا كان يمثل تدشيناً لعصر جديد من الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، أم أنه مجرد إعادة تسمية تسعى من خلالها الوكالة إلى استعادة أمجادها الماضية والتغطية على تعقيدات الواقع الحالي.
وكانت الوكالة قد أعلنت في الأسبوع الأول من يوليو 2026 تغيير مسمى “مكتب عمليات الشبكات الحاسوبية” (CNO) ليعود إلى اسمه القديم “عمليات الوصول المخصصة” (TAO)، وهو المسمى الذي ارتبط بالوحدة منذ تسعينيات القرن الماضي حتى اختفاء هويتها ضمن خطة إعادة الهيكلة الشاملة عام 2016 المعروفة باسم “NSA21”. وتأتي هذه العودة بقيادة نائب مدير الوكالة، تيم كوسيبا، وهو أحد العناصر السابقة في وحدة TAO، حيث تهدف الخطوة وفقاً للتصريحات الرسمية إلى تعزيز قدرات أكبر وكالة تجسس إلكتروني في العالم على مواجهة التهديدات الرقمية المتصاعدة من جانب الصين وروسيا وأطراف أخرى.
ولا يقتصر تميز هذا التغيير على استرجاع الهوية التاريخية فحسب، بل يمتد إلى التراجع الجزئي عن الفلسفة التنظيمية لمبادرة “NSA21″، والتي كانت قد دمجت العمليات الهجومية والتجسسية في مديريات موسعة وفصلت بين مطوري أدوات الاختراق والمشغلين الميدانيين. وفي حين وصف متحدث باسم الوكالة القرار بأنه “تكريم لإرث قوي ودفع نحو المستقبل”، أشار مسؤولون سابقون بوضوح إلى عدم نجاح الهيكلة السابقة؛ إذ ذكر أحدهم أن “NSA21 لم تكن مفيدة”، موضحاً أن الوكالة “كانت تنوي تقريب المطورين من المشغلين، لكنها انتهت بتفكيكهم بدلاً من ذلك. ويبدو أنهم يتطلعون إلى تلك الحقبة باعتبارها العصر الذهبي للعمليات، مدفوعين بنوع من الحنين إلى الماضي”.
ويتزامن هذا التوجه مع خطط وحدة TAO لافتتاح مبنى مستقل داخل مقر الوكالة في مدينة فورت ميد خلال الأسابيع المقبلة، يهدف إلى إعادة تجميع المطورين والمشغلين في بيئة عمل واحدة. ويرى الخبراء أن هذا التقارب المكاني والتشغيلي من شأنه تسريع وتيرة الابتكار في اختراق الشبكات المعزولة، لا سيما مع تصاعد دور الذكاء الاصطناعي؛ إذ تفيد تقارير موازية بأن الوكالة تعتمد بالفعل على نموذج Claude Mythos المطور من شركة Anthropic لإدارة عمليات سيبرانية هجومية، بوجود نحو 6 مهندسين من الشركة داخل أروقة الوكالة لتخصيص النموذج ودعم نشره.
وتشكل قدرات هذا النموذج، الذي أُعلن عنه في أبريل 2026، تحولاً نوعياً في مجال الأمن السيبراني؛ حيث يمتلك القدرة على رصد واستغلال ثغرات “يوم صفر” (Zero-Day) في كافة أنظمة التشغيل والمتصفحات الرئيسية. وفي سياق متصل، نقل السيناتور مارك وارنر رواية تفيد بأن مدير الوكالة أبلغ الكونغرس بتمكن النموذج من اختراق معظم شبكات الوكالة السرية خلال ساعات معدودة، ما دفع إدارة ترامب إلى تصنيفه كسلاح إلكتروني يخضع لقيود وضوابط التصدير.
وتمثل وحدة TAO تاريخياً الركيزة الأساسية للقدرات الهجومية الأمريكية، فهي الجهة التي طورت سلاح Stuxnet الذي استهدف أجهزة الطرد المركزي في برنامج إيران النووي، وصممت أداة الاختراق EternalBlue التي تسربت عام 2017 عبر مجموعة Shadow Brokers، لتصبح لاحقاً المحرك الرئيسي لهجمات WannaCry التي أصابت 200 ألف مؤسسة في 150 دولة. هذا الإرث الذي يجمع بين التفوق التقني والإخفاقات الأمنية الكبرى يلقي بظلاله المباشرة على المشهد الحالي.








