كشفت بيانات شركات الاستخبارات البحرية وتقارير أنظمة الملاحة الدولية عن وقوع زيادة حادة في هجمات التشويش (Jamming) والخداع (Spoofing) التي استهدفت إشارات المقاييس العالمية للملاحة عبر الأقمار الاصطناعية (GNSS) ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS). وبدأ هذا التصعيد الإلكتروني في منطقة الخليج ومحيط مضيق هرمز منذ انطلاق العمليات العسكرية في المنطقة يوم الجمعة 28 فبراير 2026. طالت هذه التداخلات سلامة الإبحار وإدارة الحركة البحرية في ممر مائي يعد من الركائز الأساسية لإمدادات الطاقة العالمية.
أوضح تحليل نشرته مجلة WIRED في مطلع مارس الحالي أن الهجماتأثرت في نحو 1,100 سفينة تعمل داخل نطاق الخليج. وتنوعت مظاهر الاضطراب بين انقطاع كامل لإشارات GPS وتشويه بيانات نظام التعريف الآلي (AIS)، وهو النظام المسؤول عن بث هوية السفينة وموقعها ومسارها لضمان سلامة الحركة. أدت هذه الاختلالات التقنية إلى ظهور سفن في مواقع برية وهمية على الخرائط الرقمية، أو قرب منشآت حيوية وحساسة مثل المحطات النووية، نتيجة تزييف إحداثياتها الحقيقية.
أكدت شركة Windward في تقريرها الصادر مطلع الشهر الجاري أن رصد التداخلات الإلكترونية شمل 21 تجمعاً جديداً للتشويش على نظام AIS امتدت عبر المياه الإقليمية لإيران والإمارات وقطر وعمان. رصد المحللون مسارات غير منطقية وحركات دائرية في بيانات تتبع السفن، تعكس فقدان أجهزة الاستقبال للإشارة وإعادة التقاطها بشكل متكرر. تسببت هذه البيئة التقنية المضطربة في إرباك عمليات اتخاذ القرار لدى الربابنة وشركات الشحن، نتيجة غياب الموثوقية في بيانات التموضع والملاحة والتوقيت.
مخاطر التداخل الإلكتروني على السلامة الملاحية والامتثال
يعتمد التدخل الإلكتروني في البيئة البحرية على تقنيتين رئيسيتين، أولهما التشويش الذي يعمل عبر إغراق الترددات بضوضاء لاسلكية تمنع أجهزة السفينة من استخراج إحداثيات الموقع. تتراجع كفاءة الملاحة في هذه الحالة ويضطرب نظام AIS كونه يستمد بياناته الأساسية من الأقمار الاصطناعية. أما التقنية الثانية فهي الخداع، وتعد أكثر خطورة لأنها تبث إشارات مزيفة توهم مستقبلات السفينة بأنها في موقع جغرافي مختلف، ما يفسر رصد سفن تجارية فوق مدارج مطارات أو داخل مناطق جبلية على شاشات التتبع.
تتجاوز آثار هذه الهجمات مجرد الأخطاء التقنية على الشاشات لتصل إلى تهديدات حقيقية بالاصطدام في الممرات المزدحمة أو الجنوح، خاصة للناقلات العملاقة التي قد تسبب كوارث بيئية في حال انحرافها عن مسارها. أشارت منصة Inside GNSS المتخصصة إلى أن الحادثة تجسد العمل في “بيئة طيف ترددي متنازع عليها”، حيث تنتقل الأخطاء من نظام الملاحة الأساسي إلى كافة الأنظمة التابعة التي تتعامل مع بيانات الموقع كحقائق تشغيلية نهائية، وهو ما يرفع من احتمالات الخطأ البشري والآلي.
تؤدي هذه البيانات المشوهة إلى خلق “ضباب تشغيلي” يؤثر في قرارات المصارف وشركات التأمين. فعندما تظهر السفينة تقنياً داخل نطاق جغرافي محظور بسبب الخداع الإلكتروني، تنطلق إنذارات امتثال خاطئة تتعلق بالعقوبات الدولية والمخاطر التشغيلية. وصف المسؤولون في شركة Windward هذا الوضع بأنه جعل عبور المضيق دخولاً وخروجاً محفوفاً بالمخاطر، حيث سجلت التقارير تباطؤاً ملحوظاً في حركة الملاحة وانعكاس مسار بعض السفن وتوقف أخرى بانتظار استقرار الحالة الأمنية والتقنية.
ضرورة تنويع مصادر الملاحة في الممرات الحساسة
أعلنت البحرية الأمريكية في 28 فبراير عن منطقة إنذار بحري واسعة تشمل الخليج وخليج عمان وبحر العرب، مع تنبيه صريح إلى احتمالية عالية للتعرض لعمليات تشويش وخداع متعمد. أوضح التنبيه العسكري عدم القدرة على ضمان سلامة الشحن التجاري داخل هذه الحدود بشكل كامل. وبالتزامن مع ذلك، كثف مركز عمليات التجارة البحرية للمملكة المتحدة (UKMTO) جهوده كقناة للتنسيق المعلوماتي، مؤكداً أهمية الإبلاغ السريع عن أي تداخلات لتعويض نقص الموثوقية في البيانات العامة لمواقع السفن.
تضع هذه الأحداث الاعتماد الأحادي على أنظمة GNSS تحت مجهر النقد التقني، إذ لم يعد الاعتماد على مصدر واحد للملاحة كافياً في المناطق التي تشهد نزاعات عسكرية. ويبرز التلاصق الجغرافي بين الممرات التجارية والمناطق العسكرية كعامل يزيد من تأثر القطاع المدني بالحروب الإلكترونية الموجهة أصلاً لتعطيل الطائرات المسيرة أو الصواريخ.
على جانب آخر، يلجأ بعض الربابنة في هذه الظروف إلى إطفاء أجهزة AIS لتفادي سوء تفسير بياناتهم، وهو إجراء يقلل بدوره من الرؤية المشتركة الضرورية لتنظيم حركة المرور ومنع التصادم.
تمثل التجربة الحالية في الخليج درساً عملياتياً للمؤسسات الدولية حول ضرورة تنويع وسائل التموضع واستخدام تقنيات ملاحة بديلة لا تعتمد كلياً على الإشارات الفضائية. إن استمرار الاضطراب يضغط على سلاسل الإمداد العالمية ويرفع تكاليف التأمين والمخاطر، حيث تتحول سجلات التتبع إلى صور مشوهة يصعب معها التمييز بين التهديد الحقيقي والخلل التقني. يبقى قطاع الطاقة والملاحة الدولية أمام اختبار أمني وتقني يتطلب تحديث البروتوكولات التشغيلية لمواجهة تحديات الحرب الإلكترونية في البحار.








