أظهرت البيانات البحثية الصادرة مطلع يناير 2026 تحولاً جذرياً في مسار سوق الأمن السيبراني البحري، حيث تشير التقديرات إلى اتجاه السوق لتحقيق قفزة نوعية تلامس سقف 7.34 مليار دولار بحلول عام 2030، مسجلاً بذلك معدل نمو سنوي مركب يبلغ 12.1%.
وتأتي هذه التوقعات في ظل ارتفاع حجم السوق من 4.14 مليار دولار في عام 2025 إلى نحو 4.65 مليار دولار في عام 2026. ويعود هذا الزخم المتصاعد إلى تضافر مجموعة من العوامل الحيوية، أبرزها التسارع غير المسبوق في رقمنة العمليات المينائية وتشغيل السفن، والاعتماد الكثيف على الأنظمة المتصلة في البيئات البحرية، بدءاً من السفن الذكية وأنظمة الملاحة المتطورة، وصولاً إلى تقنيات تتبع الشحنات وإدارة الموانئ، بالتزامن مع فرض أطر تنظيمية صارمة باتت تربط السلامة التشغيلية بإدارة المخاطر الرقمية كشرط لا غنى عنه.
محركات النمو: بين الامتثال التنظيمي والتقارب التقني
يشكل المشهد التنظيمي المتشدد حجر الزاوية في هذا النمو المتسارع، حيث تحولت متطلبات الأمن السيبراني من مجرد توصيات إلى التزامات قانونية واجبة النفاذ. ففي الولايات المتحدة، اتخذ خفر السواحل الأميركي خطوات حاسمة بإعلانه في 17 يناير 2025 عن قاعدة نهائية لتحديث متطلبات الأمن السيبراني ضمن نظام النقل البحري.
وتفرض هذه القاعدة على الجهات المشمولة إعداد خطط أمنية شاملة، وتعيين مسؤول متخصص للأمن السيبراني (CySO)، إضافة إلى اعتماد تدابير دقيقة للكشف عن الحوادث والاستجابة لها والتعافي من آثارها. وعلى الصعيد الدولي، واكبت المنظمة البحرية الدولية (IMO) هذا التوجه بتحديث إرشاداتها لإدارة المخاطر السيبرانية عبر الوثيقة MSC-FAL.1/Circ.3/Rev.3 الصادرة في 4 أبريل 2025، مشددة على ضرورة حماية السفن من التهديدات الحالية والناشئة الناتجة عن الأتمتة والتكامل الرقمي.
وفي سياق متصل، يلعب التطور التقني دوراً محورياً في توسيع نطاق السوق، حيث يبرز الطلب المتزايد على تأمين التقارب بين تكنولوجيا المعلومات (IT) والتكنولوجيا التشغيلية (OT) في السفن والموانئ، مع التركيز على مرونة سلاسل الإمداد البحرية ونمو سوق الخدمات المدارة الموجهة للأساطيل. كما يسهم التوسع في شبكات الجيل الخامس (5G) وإنترنت الأشياء (IoT) في زيادة مساحة الهجوم المحتملة، ما يرفع الحاجة إلى حلول حماية متقدمة، خصوصاً مع توقعات شركة Ericsson بأن شبكات الجيل الخامس ستحمل 80% من حركة بيانات الهاتف المتنقل بحلول عام 2030، وهو ما يفرض تحديات أمنية جديدة على أنظمة الملاحة والتتبع.
ديناميكيات السوق: اللاعبون الكبار وحراك الاستحواذات
تتزاحم كبرى الشركات العالمية لحجز مواقعها في هذا السوق الحيوي، حيث تضم القائمة أسماء بارزة مثل Airbus SE، وIBM، وNorthrop Grumman، وBAE Systems، وThales، وLeonardo، وWärtsilä، وDNV، وKongsberg Digital. وتركز هذه الشركات جهودها على تقديم خدمات نوعية تشمل كشف التهديدات ومنعها، والاستجابة للحوادث، وضمان الامتثال السيبراني، وهي الخدمات الأكثر التصاقاً بالواقع التشغيلي البحري الحالي.
وقد شهد السوق مؤخراً حراكاً استراتيجياً يعكس توجه شركات التقنية البحرية لتعزيز قدراتها السيبرانية؛ إذ أطلقت Rakuten Symphony خدمة Rakuten Maritime في ديسمبر 2024 استجابة للطلب المتنامي على التحول الرقمي الآمن. وسبق ذلك خطوة هامة تمثلت في استحواذ Marlink SAS على شركة Port-IT B.V. في أكتوبر 2024، في صفقة غير معلنة القيمة، هدفت من خلالها إلى تعزيز إمكاناتها في كشف التهديدات وحماية شبكات السفن، مما يؤكد أن القطاع يتجه نحو مزيد من التكتلات والحلول المتخصصة لمواجهة تحديات المستقبل الرقمي.







