تشير القراءات الحديثة لتوقعات القيادات التشغيلية في قطاع الأعمال العالمي إلى تحول جوهري في ترتيب أولويات المخاطر، حيث برزت الصدمات السيبرانية كتهديد مباشر يتقدم على ملفات الرسوم الجمركية والاضطرابات الجيوسياسية وسلاسل الإمداد.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن الحادث التقني يمتلك قدرة فائقة على إيقاف العمليات الحيوية بشكل فوري، وذلك في مرحلة تسبق وضوح التكاليف المالية أو تبلور القرارات السياسية الدولية. ويضع استمرارية الأعمال أمام اختبار يتجاوز تقلبات الأسعار، نظراً لكون الاضطراب التقني يمس القدرة التشغيلية منذ اللحظة الأولى لوقوعه.
تعتمد هذه الرؤية على دراسة حديثة أجرتها شركة Zero100 المتخصصة في استخبارات سلاسل الإمداد، ونشرتها منصة Retail Brew. وقد كشفت نتائج الدراسة أن أكثر من ثلث المشاركين يصنفون الحوادث السيبرانية كأكبر تهديد منفرد لاستمرارية الأعمال خلال العام الجاري. وفي مقابل ذلك، جاءت الاضطرابات الجيوسياسية في المرتبة الثانية بنسبة 20%، تلتها صدمات سياسة التجارة بنسبة 16%، ثم اضطرابات العمالة بنسبة 8%.
وقد شملت الدراسة استطلاع آراء مسؤولي العمليات التنفيذيين (COOs) في شركات كبرى تتجاوز قيمتها السوقية مليار دولار، حيث اتفق هؤلاء القادة على توصيف الحوادث السيبرانية بأنها الصدمة الأسرع تحركاً وتأثيراً ضمن السيناريوهات المتوقعة.
ازدواجية الذكاء الاصطناعي بين تعزيز الدفاعات وتوسيع ثغرات الاختراق
رغم الترويج الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي بوصفها محركاً رئيسياً للإنتاجية في خطابات المستثمرين، يسود نوع من التحفظ داخل غرف العمليات التشغيلية بشأن أثرها الأمني. وتظهر البيانات انقساماً في آراء القادة؛ إذ يعتقد 50% من المشاركين أن الذكاء الاصطناعي يسهم في تحسين جهود تخفيف المخاطر السيبرانية عبر تطوير قدرات الكشف والاستجابة التلقائية. وفي المقابل، يرى 43% أن هذه التقنيات قد تفاقم الوضع، وذلك لقدرتها على تمكين المهاجمين من تسريع عمليات التحضير للهجمات أو تطوير أساليب الهندسة الاجتماعية.
وتكشف الدراسة عن فجوة ملموسة بين الوعود التسويقية والواقع العملي، حيث تتدنى نسبة المتفائلين بقدرة الذكاء الاصطناعي على تحقيق قفزات الإنتاجية الطموحة إلى أقل من خُمس المشاركين. وفي هذا السياق، تؤكد لورين أكوبا، نائبة رئيس خدمات البحث والاستشارات في Zero100، أن الفشل السيبراني واسع النطاق يلحق ضرراً فورياً بربحية الشركات يفوق الأثر الناتج عن الرسوم الجمركية أو النزاعات التجارية. واستشهدت أكوبا بالحادث الذي تعرضت له شركة Jaguar Land Rover (JLR) في المملكة المتحدة خلال العام الماضي كنموذج يجسد خطورة التحول من خلل تقني إلى شلل تشغيلي كامل.
تداعيات الهجمات السيبرانية على سلاسل التوريد ونماذج التجزئة العالمية
يمثل حادث JLR نموذجاً توضيحياً لكيفية انتقال أثر الهجوم السيبراني من النطاق التقني الصرف إلى تعطيل التصنيع وقطاع التجزئة. ففي الثاني من سبتمبر عام 2025، رصدت التقارير تعرض الشركة لحادث سيبراني كبير استلزم إيقاف الأنظمة العالمية، وأدى إلى اضطراب حاد في عمليات التصنيع، بما في ذلك تعليق العمل في مصنع هالووود بميرسيسايد.
ورغم تأكيد الشركة حينها عدم وجود أدلة على سرقة بيانات العملاء، إلا أن تقرير Cyber Monitoring Centre الصادر في أكتوبر 2025 أوضح أن الحادث أوقف بيئة IT الداخلية، وتسبب في تعطل أنظمة الوكلاء وتأخيرات امتدت آثارها لتشمل الموردين.
وترتبط هذه المخاوف بمشهد تهديدات عابر للحدود، حيث أشارت تقارير Cybersecurity Dive ومجموعات Google Threat Intelligence و Mandiant التابعة لشركة Google إلى نشاط مجموعات إجرامية استهدفت قطاعات التجزئة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة بشكل متتابع. وقد اعتمدت هذه الهجمات على تقنيات اختراق مرتبطة بالوصول إلى بيانات الاعتماد. وتكمن خطورة الحوادث السيبرانية في كونها تضرب “سلسلة القيمة” مباشرة عبر تعطيل منصات الدفع والمخازن وعمليات الوفاء بالطلبات، مما يجعل الخسائر تتراكم بالدقيقة، بخلاف الرسوم الجمركية التي يمكن إدارتها عبر خطط تسعير أو بدائل تعاقدية بعيدة المدى.








