أعاد تقرير حديث يتناول مزاعم تسريب بيانات من إحدى منصات تداول العملات المشفرة في إيران تسليط الضوء على زاوية حساسة في منظومة الأصول الرقمية؛ إذ باتت المنصات المحلية التي تتيح تحويل العملة المحلية إلى العملات المستقرة (Stablecoins) موضع اهتمام متزايد لدى الجهات التنظيمية والمحققين، بوصفها بوابات قادرة على نقل القيمة خارج نطاق الرقابة التقليدية للنظام المصرفي، وأحيانًا خارج نطاق فعالية العقوبات نفسها.
ففي تقرير لها نُشر مؤخراً كمادة استخباراتية يمكن استثمارها في تحليل التهديدات الرقمية، قالت شركة الأمن السيبراني الأمريكية Resecurity إنها حصلت على قاعدة بيانات مسربة مرتبطة بمنصة Ariomex، التي وصفتها بأنها إحدى أكبر منصات التداول داخل إيران. ويرى التقرير أن تشديد إجراءات إنفاذ العقوبات الدولية وصعوبة استخدام المنصات الخارجية يدفع الجهات المرتبطة بالدولة الإيرانية ووكلاءها إلى الاعتماد بصورة متزايدة على المنصات المحلية وما وصفه التقرير بوسطاء الظل لتحويل الأموال إلى أصول مشفرة ونقلها عبر الحدود.
يأتي هذا الطرح في وقت يتجه فيه مسار العقوبات الأمريكية نحو استهداف البنية التحتية للمنصات نفسها، بدلاً من الاقتصار على ملاحقة المحافظ الرقمية الفردية.
تحول في استراتيجية العقوبات الأمريكية
في 30 يناير الماضي، أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، التابع لوزارة الخزانة الأمريكية منصتي تداول الأصول الرقمية Zedcex وZedxion ـ المسجلتين في المملكة المتحدة ـ ضمن قوائم العقوبات، بزعم عملهما داخل القطاع المالي الإيراني ومعالجة معاملات مرتبطة بالحرس الثوري الإسلامي (IRGC) في البلاد.
ووفقاً لبيان وزارة الخزانة، فقد عالجت منصة Zedcex معاملات تجاوزت قيمتها 94 مليار دولار أمريكي منذ تسجيلها في أغسطس 2022، كما أشارت الوزارة إلى وجود عدة عناوين على الشبكة مرتبطة بالمنصة ترتبط بمحافظ مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
تسريب البيانات كمدخل لرواية أوسع
يبني تقرير Resecurity استنتاجاته على فرضية معروفة في أوساط إنفاذ العقوبات؛ فكلما اشتدت القيود المصرفية والعقوبات المالية، ازدادت جاذبية العملات المشفرة، خصوصاً عبر المنصات المحلية التي يمكن أن تعمل كنقاط عبور عالية التأثير لتحويل العملات المحلية إلى عملات مستقرة قابلة للنقل عالمياً.
بهذا الصدد، يشير التقرير إلى أن قاعدة البيانات المنسوبة إلى Ariomex تضم نحو 11,826 سجلاً، منها ما يقارب 7,710 سجلات تعود لمستخدمين داخل إيران بحسب تحليل عناوين الإنترنت والبصمة الشبكية، فيما تتوزع بقية السجلات على عدة دول، من بينها الولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وهولندا، والمملكة المتحدة.
كما يذكر التقرير أن العملة المستقرة Tether (USDT) وشبكة TRON تستحوذان على الحصة الأكبر من النشاط في البيانات المسرّبة، إذ تمثلان نحو 70% من عمليات الشراء أو التبادل المسجلة. ويرى التقرير أن ذلك يعكس استخداماً مزدوجاً؛ فمن جهة يلجأ إليها المستخدمون العاديون للتحوط من تقلبات العملة المحلية، وهو ما تفسره الشركة في أن 90% من المعاملات المرصودة صغيرة فعلياً، ومن جهة أخرى تشكل مساراً فعالاً لنقل الأموال في عمليات أكثر خطورة، وتربط
تربط Resecurity ذلك بوجود طلبات تحويل كبيرة في محادثات الدعم، فضلاً عن رصد خزائن كبيرة بأرصدة تفوق قيمتها 10 ملايين دولار.
تعتبر Resecurity هذه البيانات بمثابة استخبارات قابلة للتفعيل، يمكن استخدامها في تعقب المحافظ الرقمية والمعاملات على سلاسل الكتل العامة المرتبطة بجهات إيرانية، فضلاً عن توفير فهم أعمق للشبكات والوسطاء الذين يسهلون هذه العمليات.
آليات محتملة لتجاوز العقوبات
لتدعيم فرضيته حول الدور المحوري للمنصات المحلية، يورد تقرير Resecurity مجموعة من الآليات التي تشير الشركة إلى رصدها في البيانات، من بينها:
- إنشاء حسابات وهمية أو واجهة.
- تنفيذ معاملات متعددة الطبقات لإخفاء مصدر الأموال.
- تحويل الأموال عبر العملات المستقرة.
- استخدام محافظ وسيطة.
- عمليات تحويل نظير إلى نظير داخل المنصة.
كما يذكر التقرير أن المنصة تفرض قيوداً تشبه إدارة رأس المال، من خلال سقف المعاملات بنحو 30 ألف دولار شهرياً وألف دولار يومياً، مع حدود سحب أعلى للمستخدمين الذين اجتازوا إجراءات التحقق.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن بعض المستخدمين المصنفين ضمن فئة “المميزين” كانت بيانات تعريف العميل (KYC) الخاصة بهم غير مكتملة رغم نشاط مالي كبير، وهو ما فسره التقرير على أنه احتمال وجود وصول خاص أو استثناءات داخل النظام.
لماذا أصبحت المنصات المحلية محط الأنظار؟
بطبيعة الحال، تتقاطع الادعاءات الوارد في تقرير Resecurity حول Ariomex مع اتجاه أوسع رصدته مؤسسات الامتثال وتحليل البلوك تشين.
فبحسب تقرير اتجاهات الجرائم المرتبطة بالعملات المشفرة لعام 2025 الصادر عن شركة Chainalysis، شكلت العملات المستقرة 63% من حجم المعاملات غير المشروعة. كما أشار التقرير إلى أن المعاملات المرتبطة بالكيانات الخاضعة للعقوبات تحولت بشكل رئيسي إلى العملات المستقرة، نظراً لحاجتها إلى استقرار الدولار في ظل محدودية الوصول إلى النظام المالي التقليدي.
من جهتها، حذرت مجموعة العمل المالي (FATF)، وهي الهيئة العالمية المعنية بوضع معايير مكافحة غسل الأموال، من أن استخدام العملات المستقرة بين الجهات غير المشروعة في ازدياد مستمر، مشيرة إلى أن معظم الأنشطة غير القانونية على السلسلة تتضمن هذه العملات، وهو اتجاه قد يتفاقم في الدول التي تشهد تطبيقاً غير متوازن لقواعد تنظيم الأصول الرقمية.
أدلة موازية: البنك المركزي الإيراني وشبكة المنصات المحلية
في يناير الماضي، كشفت شركة تحليلات البلوك تشين، Elliptic، أنها حددت شبكة محافظ رقمية تعزوها إلى البنك المركزي الإيراني، وقدرت أن إجمالي ما تم الحصول عليه من عملة USDT بلغ ما لا يقل عن 507 ملايين دولار، وهو رقم تصفه الشركة بأنه الحد الأدنى بناء على عمليات إسناد عالية الثقة.
وتكمن أهمية تحليل Elliptic في أنه يضع منصة تداول محلية في قلب حركة الأموال؛ إذ ذكرت الشركة أن معظم تلك العملات المستقرة كانت قيد الإرسال حتى يونيو 2025 إلى منصة Nobitex، التي تصفها بأنها أكبر منصة للعملات المشفرة في إيران، قبل أن تنتقل الأموال لاحقاً عبر جسر تحويل بين سلاسل البلوك تشين (Cross-chain bridge) إلى منصات أخرى.
وبذلك فإن فكرة المنصة المحلية بوصفها بوابة مالية باتت تتردد أيضاً في تحليلات البلوك تشين العلنية ومواقف الجهات التنظيمية.
التصعيد الجيوسياسي وتسارع حركة رؤوس الأموال
بالتزامن مع بدء العمليات العسكرية وتفاقم الأحداث الجيوسياسية الأخيرة حول إيران، برزت مؤشرات واقعية على مدى سرعة تحول المنصات المحلية إلى قنوات لنقل القيمة عند وقوع صدمات سياسية أو عسكرية.
إزاء ذلك، أفاد مرصد الإنترنت NetBlocks بأن مستوى الاتصال بالإنترنت في إيران انخفض إلى نحو 4% فقط من مستوياته الطبيعية في ذلك اليوم مع تصاعد التوترات. لكن رغم ذلك، أشارت شركة Elliptic إلى أن حجم المعاملات الخارجة من منصة Nobitex ارتفع بنسبة 700% خلال دقائق من أول هجوم أمريكي-إسرائيلي، ووصفت هذه التدفقات بأنها قد تمثل حركة هروب لرؤوس الأموال تتجاوز النظام المصرفي التقليدي. كما لاحظت الشركة زيادات أخرى تزامنت مع إعلانات العقوبات وفترات انقطاع الإنترنت.
تعطي هذه المعطيات تفسيراً للنظرة السائدة اليوم لدى جهات التحقيق والدقيق تجاه المنصات المحلية بوصفها أسواق تداول وفي الوقت نفسه بنية تحتية مالية يمكن أن يستخدمها المواطنون الباحثون عن الاستقرار المالي، وكذلك الجهات الأكثر خطورة التي تسعى لنقل الأموال تحت ضغط العقوبات.








