يشهد قطاع صناعة السيارات تحولاً جذرياً مع اعتماد المركبات الحديثة على بيئات تشغيل برمجية متكاملة، حيث أدى هذا الانتقال إلى إعادة تعريف المخاطر الرقمية لتتجاوز حدود السيارة وتتصل بالبنية التحتية الخارجية. ولم يعد الأمن السيبراني مجرد طبقة حماية إضافية يتم دمجها في مراحل متأخرة، بل صار ركيزة أساسية في عمليات التصميم والتشغيل ترتبط بصورة مباشرة بسلامة الوظائف الحيوية للمركبة.
وتتسع مساحة الهجوم الرقمي بالتزامن مع زيادة اعتماد السيارات على الخدمات السحابية، وتكرار عمليات التحديث البرمجي عبر الهواء (OTA Updates)، وانتشار أنظمة مساعدة السائق المتقدمة (ADAS)، فضلاً عن تعقيد وحدات المعلومات والترفيه وأنظمة الاتصال عن بُعد.
تشير تقديرات مؤسسة Persistence Market Research إلى نمو مطرد في قيمة السوق العالمية لأمن المركبات السيبراني، مع توقعات بارتفاعها من 4.05 مليارات دولار في عام 2026 لتصل إلى 12.30 مليار دولار بحلول عام 2033. ويعكس هذا النمو معدلاً سنوياً مركباً يبلغ 17.2%، مع تصدر قطاع أمن الشبكات داخل المركبة للمشهد التقني.
وتحافظ منطقة أمريكا الشمالية على ريادتها من حيث الحصة السوقية نتيجة التبنى السريع لتقنيات المركبات المتصلة، وتوفر بيئة خصبة من الموردين والشركات المتخصصة في الحلول الأمنية الموجهة لقطاع النقل.
الأطر التنظيمية والمعايير الدولية كركيزة للالتزام التقني
تجاوزت دوافع الطلب على حلول الأمن السيبراني فكرة الاقتناء الاختياري، لتدخل في نطاق الالتزام القانوني والمعايير الصارمة التي تفرض المساءلة والتدقيق. وتواجه الصناعة حالياً ضغوطاً ناتجة عن ارتفاع كلفة المخاطر التي تجاوزت اختراق بيانات المستخدمين لتصل إلى تهديد السلامة التشغيلية للمركبة، خاصة عند استهداف أنظمة التحكم أو العبث بوحدات بوابة الشبكة التي تربط الشبكات المختلفة، أو الوصول غير المصرح به إلى وحدات التحكم الإلكترونية المسؤولة عن إدارة الوظائف الأساسية. وقد فرض هذا الواقع توسيع نطاق الحماية لتشمل إدارة المخاطر طوال دورة حياة المنتج وضمن سلسلة الإمداد الكاملة.
يلعب تنظيم الأمم المتحدة UNECE R155 دوراً محورياً في صياغة هذا التحول، إذ يضع إطاراً إلزامياً لاعتماد المركبات بناءً على نظام إدارة الأمن السيبراني (CSMS). ويتطلب هذا التنظيم من شركات التصنيع والموردين تقديم أدلة موثقة تثبت قدرتهم على إدارة التهديدات عبر مراحل حياة السيارة، دون الاكتفاء بإضافة تقنيات حماية منعزلة.
وبالتوازي مع ذلك، يحدد المعيار الدولي ISO/SAE 21434 متطلبات هندسية دقيقة لإدارة المخاطر في مركبات الطرق، تبدأ من مرحلة المفهوم الأولي وتستمر حتى خروج المركبة من الخدمة، ما يوفر لغة تقنية موحدة لسلاسل التوريد العالمية.
استراتيجيات الحماية التقنية وتكامل الأنظمة الأمنية
تؤكد وثيقة أفضل الممارسات الصادرة عن الإدارة الوطنية للسلامة المرورية على الطرق السريعة في الولايات المتحدة (NHTSA) لعام 2022 على الارتباط الوثيق بين الثغرات السيبرانية ومخاطر السلامة العامة. وتوجه هذه التوصيات قطاع الصناعة نحو تبني آليات استجابة منسقة للحوادث وتنسيق الإفصاح عن الثغرات الأمنية، مع دمج الأمن السيبراني في صلب هندسة الحوكمة.
وتتوزع حلول الشركات التقنية في هذا السوق بين العتاد الصلب مثل وحدات الأمن للأجهزة (HSM) ووحدات النظام الموثوقة (TPM)، والحلول البرمجية التي تشمل جدران الحماية المدمجة وأنظمة التشفير والمصادقة، بالإضافة إلى الخدمات المهنية والمدارة.
تعتمد قرارات الشراء في الوقت الراهن على 3 طبقات أمنية متكاملة تضمن حماية شاملة للمركبة. تتضمن الطبقة الأولى حماية الشبكات الداخلية من خلال أنظمة الكشف عن التسلل وضبط الوصول بين النطاقات المختلفة. وتختص الطبقة الثانية بتأمين قنوات التحديث والتشغيل لضمان سلامة البرمجيات والتحقق من التواقيع الرقمية ومنع التلاعب بالبرمجيات الثابتة. أما الطبقة الثالثة، فتركز على حماية البيئة الخلفية التي تشمل أمن واجهات التطبيقات (APIs) والبنية السحابية وإدارة هوية المركبة، مع توظيف التحليلات المتقدمة لرصد أنماط الهجوم ودعم الاستجابة السريعة للتهديدات الناشئة.








