أعلن المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية (NIST) عن تطوير مصدر للفوتونات المنفردة مدمج على شريحة، يتميز بالقدرة على إطلاق فوتون واحد عند الطلب وبموثوقية عالية. ويمثل هذا الابتكار عنصراً جوهرياً في تطبيقات توزيع المفاتيح الكمية (QKD)، إذ تعاني الأنظمة الحالية من ثغرات في الكفاءة بسبب المصادر الضوئية التي ترسل أحياناً نبضات فارغة أو نبضات تحتوي على أكثر من فوتون، ما يؤدي إلى تعقيد إجراءات الأمان وتقليل جودة الأداء.
المواصفات التقنية وآلية العمل
يعتمد المصدر المطور على نقاط كمية (Quantum Dots) مكونة من مادة “زرنيخيد الإنديوم” (InAs) مثبتة داخل مصفوفة من “زرنيخيد الغاليوم” (GaAs). وتتلخص العملية الفيزيائية في استخدام نبضة ليزر دقيقة تعمل على رفع إلكترون إلى مستوى طاقة أعلى، وعند عودة هذا الإلكترون إلى مستواه الأصلي، يطلق فوتوناً واحداً فقط.
ولضمان الاستفادة القصوى من هذا الفوتون، استعان الفريق البحثي بتجويفات نانوية دقيقة لتحسين عملية جمع الفوتون وتوجيهه نحو الألياف البصرية. وتعد هذه الخطوة بالغة الأهمية من الناحية العملية، لأن توليد الفوتون لا يحقق الفائدة المرجوة ما لم يتم التقاطه وإرساله بفعالية داخل الشبكات.
وتشير النتائج الأولية الصادرة عن NIST إلى النجاح في التقاط أكثر من 40% من الفوتونات المنبعثة، مع وجود مخططات هندسية تهدف لتجاوز نسبة 90% عبر تطوير تصميم التجويف. وللمقارنة، فإن أفضل النتائج المسجلة في الأبحاث العلمية العالمية بهذا المجال تصل إلى 72%.
مواجهة استراتيجية: “احصد الآن وفك التشفير لاحقاً”
لا يقتصر الاهتمام بهذا التطور على الجانب المختبري، بل يأتي في سياق مواجهة تهديدات سيبرانية متنامية، أبرزها سلوك “احصد الآن وفك التشفير لاحقاً” (Harvest Now, Decrypt Later). وتعتمد هذه الاستراتيجية على قيام جهات معادية بالاستحواذ على بيانات مشفرة في الوقت الحالي وتخزينها، بانتظار ظهور حواسيب كمية فائقة القدرة في المستقبل لفك تشفيرها.
يفرض هذا التهديد على المؤسسات إعادة تقييم مدة سرية بياناتها، لا سيما تلك التي تحمل قيمة استراتيجية طويلة الأمد مثل الملكية الفكرية، والملفات القانونية، والسجلات الحساسة.
توزيع المفاتيح الكمية (QKD): أمان فيزيائي وتحديات لوجستية
يقدم نظام توزيع المفاتيح الكمية (QKD) نهجاً يختلف عن التشفير التقليدي، حيث يتم تبادل مفاتيح التشفير عبر فوتونات تمر في ألياف ضوئية. وتكمن الميزة هنا في أن أي محاولة لاعتراض هذه الفوتونات ستؤدي بالضرورة إلى تغيير حالتها الكمية، ما يترك أثراً رصده الطرف المستقبل، ومن ثم يرفض المفتاح ويطلب إعادة الإرسال.
وعلى الرغم من توفير هذا النظام لأمان فيزيائي متين، إلا أنه يواجه تحديات تشغيلية وتكاليف مرتفعة، تشمل:
- البنية التحتية: الحاجة إلى ألياف مظلمة (Dark Fiber) أو تمديد شبكات ألياف جديدة.
- المسافات: تصل الفوتونات إلى مدى يتراوح بين 50 و60 ميلاً قبل أن تضعف الإشارة، وقد تزيد المسافة إلى مئات الأميال باستخدام مضخمات، لكن ذلك يثير نقاشاً حول مدى الحفاظ على الضمانات الفيزيائية الأصلية.
- تعدد الفوتونات: النبضات التي تحمل أكثر من فوتون تمنح المهاجمين فرصة لنسخ جزء من الإشارة. لذا تبرز أهمية شريحة NIST الجديدة في توفير فوتونات منفردة تضيق الخناق على أي محاولة اختراق.
التكامل مع تشفير ما بعد الحوسبة الكمية (PQC)
بالتوازي مع التطورات الفيزيائية، يبرز مسار تشفير ما بعد الحوسبة الكمية (PQC)، الذي يعتمد على خوارزميات رياضية معقدة صممت لمقاومة هجمات الحواسب الكمية. وقد اعتمد NIST في أغسطس 2024 أول ثلاثة معايير فيدرالية لهذا النوع من التشفير ضمن السلاسل (FIPS 203, FIPS 204, FIPS 205).
وتتجه المؤسسات حالياً نحو تبني نماذج هجينة تدمج بين تقنيات PQC وQKD، وذلك بناءً على مستوى حساسية البيانات، والكلفة التشغيلية، والقدرة على إدارة مفاتيح التشفير عبر قنوات متعددة.







