طور باحثون من جامعة وسط فلوريدا نظاماً تقنياً مبتكراً يُسمى SecureRouter، يهدف إلى تسريع عمليات الاستدلال لنماذج الذكاء الاصطناعي عند التعامل مع بيانات حساسة تظل مشفرة بالكامل طوال دورة المعالجة.
يركز هذا الابتكار على القطاعات التي تولي سرية البيانات أهمية قصوى، مثل الرعاية الصحية والخدمات المالية؛ نظراً لصعوبة نقل البيانات الخام إلى الخوادم السحابية التي تستضيف النماذج الضخمة. وتوضح الورقة البحثية المنشورة على منصة arXiv أن النظام يوفر إطاراً متكاملاً يجمع بين مهام التوجيه والاستدلال داخل بيئة مشفرة، بما يضمن حماية خصوصية المدخلات وسرية بنية النموذج المستخدم في آن واحد.
يعتمد النظام في جوهره على تقنية الحساب الآمن متعدد الأطراف (MPC)، وهي بروتوكولات تسمح لأطراف متعددة بحساب وظيفة ما بشكل مشترك بناء على مدخلاتهم مع الحفاظ على خصوصيتها. وتعمل هذه الآلية عبر تقسيم البيانات إلى أجزاء مشفرة تُوزع على عدة خوادم منفصلة لا تتبادل المعلومات مباشرة؛ فتتيح تنفيذ الاستدلال واستخراج النتائج النهائية دون حاجة أي طرف للاطلاع على البيانات الأصلية.
وقد واجه هذا النهج سابقاً تحدي التكلفة الحسابية المرتفعة؛ إذ يحتاج النموذج اللغوي متوسط الحجم في الوضع التقليدي إلى أقل من ثانية لتوليد نتيجة، بينما يتطلب تشغيله ضمن بيئة MPC أكثر من دقيقة نتيجة الأعباء الناتجة عن عمليات التشفير المعقدة.
آليات التوجيه الديناميكي والحلول الهيكلية
عالج الباحثون إشكالية هيكلية في أنظمة الاستدلال الخاصة الحالية؛ حيث كانت الدراسات السابقة تكتفي بتحسين بنية النماذج لتقليل كلفة التشفير، مع معالجة كافة الاستعلامات بالطريقة ذاتها وبذل الكلفة نفسها بصرف النظر عن مدى تعقيد الطلب.
وفي حين تتبع البيئات غير المشفرة عادةً أسلوب توجيه الاستعلامات البسيطة إلى نماذج صغيرة، وتخصيص النماذج الكبيرة للمهمات المعقدة، كان يصعب تطبيق هذا النهج في البيئات المشفرة بسبب عدم قدرة النظام على “رؤية” محتوى الإدخال لاتخاذ قرار التوجيه.
يقدم SecureRouter حلاً لهذه المعضلة عبر إدراج طبقة توجيه خفيفة تعمل داخل البيئة المشفرة، وتستطيع تقييم الاستعلام وهو في حالته المشفرة لاختيار النموذج الأنسب من مجموعة نماذج متفاوتة الحجم، تبدأ من نموذج صغير يضم 4.4 ملايين معلم (Parameter) وصولاً إلى نموذج كبير يضم 340 مليون معلم.
تجري كافة مراحل التقييم والتوجيه والتنفيذ دون كشف أي بيانات أو قرارات برمجية بشكل صريح، وقد خضع الموجه لعمليات تدريب توازن بين دقة النتائج والكلفة الفعلية للتشغيل داخل بيئة MPC. واعتمد قياس الكلفة في هذا النظام على زمن التنفيذ الفعلي عوضاً عن الاكتفاء بحجم النموذج فقط، مع إدراج هدف تقني خاص لتوزيع الأحمال يمنع تكدس الطلبات على نموذج واحد، ويضمن توزيع الاستعلامات بناءً على مستوى صعوبتها الحقيقية.
نتائج الأداء والجدوى التطبيقية
كشفت نتائج الأداء عن تفوق نظام SecureRouter عند مقارنته بنظام SecFormer الذي يعتمد على نموذج كبير ثابت؛ حيث انخفض متوسط زمن الاستدلال في خمس مهام لفهم اللغة بمقدار 1.95 مرة.
تراوح نطاق هذا التحسين بين 1.83 مرة في المهام المعقدة و2.19 مرة في المهام البسيطة، كما حقق النظام تسريعاً متوسطاً قدره 1.53 مرة عبر 8 مهام معيارية مقارنة بتشغيل نموذج كبير لكافة الاستعلامات. وقد حافظ النظام على مستويات دقة قريبة من خط الأساس المرتبط بالنموذج الكبير، مع فروق طفيفة في معظم المهام، باستثناء مهمة تحليل نحوي متخصصة أظهرت حاجة إلى نماذج أكبر لتحقيق دقة أعلى.
تعتبر كلفة تشغيل طبقة التوجيه نفسها محدودة؛ إذ تستهلك نحو 39 ميغابايت من الذاكرة في إعداد الخادمين، وهو رقم يقارب كلفة أصغر نموذج بمفرده (38 ميغابايت)، في حين يستهلك النموذج الأكبر نحو 3,100 ميغابايت. ويضيف الموجه حوالي أربع ثوانٍ إلى زمن الاستدلال و1.86 غيغابايت من حركة الاتصال الشبكي، وهي أرقام تُعد مقبولة بالنظر إلى المكاسب الزمنية الإجمالية المحققة.
يتميز النظام بقابليته للتطبيق الفوري دون الحاجة لتغيير البنية التحتية، حيث يمكن تشغيله فوق أطر MPC الحالية والاعتماد على معماريات نماذج لغوية قياسية؛ مما يتيح معالجة الطلبات بكفاءة دون معرفة المستخدم بالنموذج المستخدم فعلياً في المعالجة.
يمثل SecureRouter مساراً عملياً لتوسيع نطاق الاستدلال الآمن في التطبيقات الحساسة، وقد قُدم هذا العمل لمؤتمر IEEE/ACM Design Automation Conference (DAC) 2026 مع توفير نسخة مفتوحة المصدر عبر منصة GitHub.








