أصدرت منظمة الشرطة الجنائية الدولية (INTERPOL) تحذيراً أشارت فيه إلى دخول الاحتيال المالي العالمي مرحلة متقدمة من التنظيم والتعقيد التقني. وقدر التقرير الخسائر المرتبطة بهذه الأنشطة خلال عام 2025 بنحو 442 مليار دولار، ما وضع الاحتيال المالي ضمن أبرز 5 تهديدات إجرامية عالمية تواجهها أجهزة إنفاذ القانون حالياً.
وتتوقع المنظمة استمرار تصاعد هذا الخطر خلال السنوات الخمس المقبلة، مدفوعاً بتوسع أساليب الاحتيال التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، بالإضافة إلى نمو شبكات غسل الأموال العابرة للحدود.
وقد شهدت الفترة منذ عام 2024 ارتفاعاً ملحوظاً في حجم الإخطارات والتعاميم المرتبطة بالاحتيال بنسبة بلغت 54%، حيث قدمت المنظمة الدعم الفني والميداني في أكثر من 1500 قضية احتيال دولية، وصلت فيها قيمة الأصول المفقودة إلى 1.1 مليار دولار.
وتؤكد هذه البيانات أن الاحتيال قد تجاوز كونه مجرد واقعة مالية منفصلة، ليتحول إلى جزء أصيل من منظومة إجرامية واسعة النطاق، تتقاطع فيها أنشطة الجريمة المنظمة مع الاتجار بالبشر والجريمة السيبرانية.
دور التقنيات الناشئة في تعزيز كفاءة الشبكات الإجرامية
يعتبر التحول نحو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي الركيزة الأساسية لهذا التهديد المتنامي، إذ كشفت المنظمة أن أنماط الاحتيال المعززة بهذه التقنيات أصبحت تحقق ربحية تزيد بنحو 4.5 مرات عن الأساليب التقليدية. ويستخدم المهاجمون نماذج برمجية قادرة على تنفيذ أتمتة كاملة للحملات الاحتيالية، بدءاً من عمليات الاستطلاع الأولية وانتحال الهوية، وصولاً إلى صياغة الرسائل واستدراج الضحايا بفعالية عالية.
ورصد التقرير وجود أسواق إجرامية توفر أدوات متطورة لاستنساخ الصوت والصورة بناء على مقاطع أصلية قصيرة جداً، وهو ما يرفع من معدلات نجاح عمليات الابتزاز الجنسي، والاختطاف الوهمي، واستثمارات التداول الزائفة. وقد تزامن هذا التطور التقني مع اتساع جغرافي لمراكز الاحتيال المعروفة باسم “Scam Centres”، والتي تحولت من ظاهرة إقليمية محدودة إلى تهديد عالمي شامل.
وأفادت التقارير بأن ضحايا من 80 جنسية مختلفة تعرضوا لعمليات اتجار بالبشر بهدف إجبارهم على تنفيذ جرائم إلكترونية، حيث ترتبط هذه المراكز بشبكات تستخدم شركات واجهة لإخفاء الهويات الحقيقية للقادة. واستجابة لذلك، أطلقت المنظمة قوة مهام دولية تحت مسمى “Operation Shadow Storm” تستهدف البنية المالية لهذه العمليات وصلاتها الوثيقة بالاتجار بالبشر.
واقع الاحتيال الرقمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
سجلت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زيادة بنسبة 17% في إخطارات الاحتيال بين عامي 2024 و2025، مع بروز 3 أنماط رئيسية هي احتيال الاستثمار، وانتحال الهوية، واختراق البريد الإلكتروني للأعمال (BEC)، حيث تنطلق هجمات BEC غالباً من شبكات إجرامية تنشط في مناطق غرب وشمال أفريقيا.
ورصد التقرير استغلالاً للاجئين السوريين عبر منصات التواصل الاجتماعي بوعود كاذبة تتعلق بالعمل أو التهريب، ليتم لاحقاً ابتزازهم أو استخدام بياناتهم الشخصية في تنفيذ عمليات احتيالية، ما يبرز التداخل العميق بين الاستغلال البشري والجريمة الرقمية في سياق الجريمة المنظمة.
تعتمد عمليات انتحال الهوية في المنطقة بشكل أساسي على المكالمات الهاتفية المموهة ورسائل التصيد، بينما تركز هجمات BEC على دمج الاختراق التقني مع التلاعب النفسي لتجاوز أنظمة الرقابة المالية داخل المؤسسات بفعالية.
ورغم أن دول المنطقة صنفت مستوى الخطر العام للأعوام المقبلة بأنه متوسط، إلا أن التوقعات تشير إلى بقاء الأثر الاقتصادي مرتفعاً، ولذلك أوصى التقرير بتعزيز التعاون بين المصارف وشركات التقنية ومشغلي الاتصالات، وتحديث التشريعات لتجريم الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي التوليدي.
كما شدد التقرير على ضرورة رفع كفاءة المحققين في تتبع العملات المشفرة وكشف المحتوى المزيف، لضمان ملاحقة البنية المالية لهذه العمليات الإجرامية المعقدة وتفكيك شبكاتها العابرة للحدود.








