شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل تحولاً جذرياً في استراتيجية الأمن الرقمي، حيث أعلنت المفوضية الأوروبية مقترحات تشريعية تهدف إلى تعزيز حصانة البنى التحتية الحيوية. ويقضي هذا التوجه الجديد بفرض قيود صارمة تلزم الدول الأعضاء بالتخلص التدريجي من معدات الموردين القادمين من دول تصنف بأنها عالية المخاطر، مع منح مهلة زمنية لا تتجاوز 3 سنوات لتطهير شبكات الاتصالات عالية السرعة من هذه التقنيات.
وتعد هذه الخطوة بمثابة انتقال من مرحلة التوصيات الاختيارية إلى حزمة قانونية ملزمة تضمن صياغة قواعد الأمن السيبراني الأوروبي بشكل يحمي المصالح الاستراتيجية للاتحاد.
من التوصيات التقنية إلى الالتزام التشريعي الصارم
اعتمد الاتحاد الأوروبي طوال السنوات الماضية على نهج مرن عرف بصندوق أدوات أمن الجيل الخامس، وهو إطار عمل منح الدول الأعضاء حرية واسعة في تقدير كيفية التعامل مع الموردين. وأدى هذا التفاوت في التطبيق إلى نشوء مشهد متباين؛ فبينما سارعت بعض العواصم إلى فرض قيود مشددة، استمرت دول أخرى في اقتناء المعدات من شركات محل جدل واسع.
ومع حلول يونيو 2023، حسمت المفوضية موقفها باعتبار قرارات الاستبعاد التي طالت شركتي Huawei وZTE مبررة تماماً وتتوافق مع المعايير الأوروبية، مشيرة بوضوح إلى مخاوف حقيقية تتعلق بالتأثير السياسي الذي قد تمارسه حكومات خارجية على هؤلاء الموردين عبر قوانينها الوطنية.
دوافع التحرك الأوروبي وتوسيع نطاق الرقابة
يرتبط توقيت هذه المقترحات برغبة بروكسل الأكيدة في تأمين سلاسل إمداد تقنيات المعلومات التي تعتمد عليها القطاعات الاقتصادية والخدمية الحيوية. ويتصاعد القلق الأوروبي من التبعية لمراكز تصنيع تقنية خارجية قد تستخدم كأداة للضغط الجيوسياسي، خاصة مع تنامي التهديدات السيبرانية المعقدة.
ولذلك، لم يقتصر المقترح الجديد على قطاع الاتصالات فحسب، بل امتد ليشمل تقنيات حساسة في قطاعات أخرى مثل أجهزة الفحص الأمني الحدودي، وأنظمة إدارة المياه، والمعدات الطبية.
وتعكس هذه الشمولية توجهاً جديداً يتعامل مع هوية المورد كجزء لا يتجزأ من منظومة المخاطر الأمنية، بما يتماشى مع مراجعة قانون الأمن السيبراني الأوروبي وتعزيز دور الوكالة الأوروبية لأمن الشبكات (ENISA).
ردود الفعل القانونية والمسار التشريعي المرتقب
في المقابل، أبدت شركة Huawei اعتراضاً قانونياً صريحاً على هذه التوجهات، مؤكدة التزامها بالعمل وفق القوانين الأوروبية وحقها في حماية مصالحها المشروعة. وترى الشركة أن تقييد الموردين بناء على بلد المنشأ بدلاً من المعايير التقنية المجردة يمثل مخالفة لمبادئ الإنصاف وعدم التمييز، ويتعارض مع التزامات منظمة التجارة العالمية.
ومع ذلك، فإن الحزمة التشريعية تستعد الآن لدخول أروقة المؤسسات الأوروبية، حيث ينتظر البرلمان الأوروبي دوراً محورياً في إقرارها قبل أن تصبح واقعاً مفروضاً على جميع الدول الأعضاء، ما يضع القارة أمام مرحلة انتقالية كبرى في بنيتها التحتية الرقمية.







